مات كيسنجر

كنت طفلاً حين سمعت اسمه لأوّل مرّة، وتوالت المرّات، أتى كسنجر، ذهب كسنجر، كسنجر في بيروت، كسنجر في المنطقة، وكلّ من حولي يتحدّث عنه، وعمّا قال وما رفض.

ثمّ ظهرت فرقة مسرح يساري أم يميني، لا أدري، تجوب ريفنا، تتصدّى لكسنجر بعرضها، فيصفع أحد ممثّليها طاولة السّلام، والمفاوضات بحذائه مردّداً: “فشرت يا كسنجر”.

ليعلو التّصفيق، ويضجّ الفضاء بالصّفير والتّحايا.

لم أعرف أيّامها لمن كان كلّ ذلك التّشجيع، أللممثّل، أم للحذاء، أم لكسنجر.

لم أكن أصفّق، كنت أتساءل فقط، وما زلت، فأنا أريد أن أفهم.

كبرت ولسوء حظّ كسنجر أنّني ما أحببت قراءة الكتب السّياسيّة، ومن سوء حظّ تلك الفرقة أنّني درست المسرح، وكانت كافّة قراءاتي إنسانيّة غير أنّي اكتشفت وعميقاً في كياني أنّ الطّريق إلى الوطن لا تحتاج إلى كلّ تلك الشّعارات والخرائط لنصل.

كبرت وتبيّن لي أنّ الوطن ليس مصطلحاً يُتفاوض عليه، ولا كلمة تحتاج إلى صراخ وشرح وتنظير يبسط لي ما عقّده أهلي طوال كلّ تلك السّنين من قدوم كسنجر ورحيله.

فالوطن بالنّسبة لي كتاب قراءة بنصوص بسيطة سلسة مع صورٍ بألوان حقيقيّة عن شمسه وبحره وربوعه الّتي تليق بالطّفولة.

والوطن فلّاح يقبض بيمينه على يد محراثه في بساتينه وجلوله الّتي لا يحيا فيها غير الشّجر والنّبات.

والوطن موظّف يتّسع مكتبه لكلّ مطالب اللّبنانييّن البسيطة، وطبيب همًه الأعظم ألّا ينغّص مرض على بنيه، ويعيقهم عن الحبّ والتّبسّم، ومهندس يوسّع عليهم مآويهم، وخبّاز لا يسلب رغيفهم محتواه الغذائي، وبائعٌ جوّال لا يقصيه شرطيّ مكلّف عن أرصفة شركات الاحتكار، وسائق تاكسي لا تحرمه المشافي من الدّواء.

لم نكن نحتاج إلى كسنجر، كنّا وما زلنا نحتاج إلى تلك القيم الّتي تجعل الإنسان أهمّ ما في الوطن، إلى ذلك المعلّم وتلك المدرسة والجامعة الّتي تؤسّسنا عليها، وتضع الوطن فينا، ولا تضعنا فيها.

لقد أضاعت علينا تلك النّقاشات، والجِدالات سنين طويلة وأحلام عديدة، وجعلتنا نهتمّ بالمفاوضات لا بالوطن.

لذا ما اكترثت لكسينجر لا حيّّاً، ولا ميتاً، وما أكترثت في حياتي كلّها وإن مرّة إلى كون الوطن مفاوضات فالوطن عندي فعلٌ وحبٌّ وعطاء.

زر الذهاب إلى الأعلى