فوزي الراسي مصلوب البلانكو

شهادتكَ دَينٌ علينا حتَّى يوم القيامة!

«وقبلَ هذا كُلَّه يُلقونَ القبضَ عليكم، ويعتقلكونَكُم ويضطَّهدونَكُم ويُسلِّمونَكُم إلى المجامعِ والسُّجون، ويسوقونكُم أمام الوُلاةِ من أجل اسمي. فمتى أسلموكُم لا تهتمّوا كيف أو بما تتكلَّمون، لأنّي سأُعطيكُم منَ الكلامِ والحِكمةِ ما يعجزُ جميعُ خصومِكُم عن رَدِّه أو نقضِه»!

فوزي الراسي إسمٌ شخصيٌّ لرجُلٍ واحدٍ، رجُلٌ مِن رجالٍ استثنائيين سكَنَت أسماؤهم العاصيَّةُ على النسيانِ عديدَ أسماءِ مناطق لبنانيَّةٍ أعطوها الأغلى من أعمارهم، والأعلى من قِيَمِهم وشيَمِهم، ووهبوها أصلبَ ما عندهم من إيمانٍ ينقلُ الجبالَ بحبّاتِ عرقِهم ودمائهم، ولبّوا نداءها بأشدِّ ما لهم من بأسٍ تدفعُهم عاصفةٌ عجائبيَّةٌ تقتلعُ جحافلَ الغاصبين المعربِدين، وخيامَ الطّارئين الضّالين، وفيالق الوافدينَ لاحتلالٍ مُتعدِّدِ الرواياتِ والأضاليل!

جُمعةَ تقدَّمتَ يا ابن الله إبنًا قائدًا مُرصَّعًا بأوسمةِ الجَّلدِ ولسعاتِ سياط الجلاّدين، تقودُ الأُمَمَ والشعوب للانتصار الحاسمِ في معركة الإنسان وابن الإنسان ثمَّ تنتصرُ بسلاحٍ أبيضَ بدائيٍّ عِدَّتُه ثلاثةُ مساميرَ وحربةٍ وعَوسَجِ إكليلٍ، وعديدُه أعدادُ صرخاتٍ صامتَةٍ مكتومةٍ تُطلِقُها تعابيرُ وجهكَ المُهشَّم المُدمَّى، وفمُكَ صامتٌ صمتًا مُطبَقًا مُطلَقًا يُصيبُ غطرسةَ وعنجهيَّةَ وجلافةَ وأهداف الحاكمين عليكَ بالموت بما لا تُصيبُهم فيه ضمائرُهم الأشبهُ بأنيابِ الأبالسة!

أوطانٌ كلبنانَ رُسِمَت ووُسِمَت رسمَ ووسمَ يديكَ الممدودتينِ في صلبِكَ اللامُتناهي، يا ابنَ الرَّحمةِ الألوهيَّةِ العابرةِ إلى مملكةِ الخلاص مِن رَحمٍ عُذريٍّ، وطنٌ كلبناننا قد وقع بكامل إرادتِه المرتبطةِ بإرادتِكَ تحتَ أحكامِ نبوءةِ آشعيا القائل عنكَ: «سَكَبَ للموتِ نفسَه وأُحصيَ مع الأثَمَةِ، وهو حملَ خطيئةَ كثيرين». وهل من إثمٍ وخطيئةٍ في أعرافِ أباطرةٍ وسلاطين وملوكٍ وولاةٍ مسبوكين سَبكَ أصنامِ الأنبياءِ الكَذَبةِ؟ أصنام أكثر خطرًا من آثامِ وخطايا الأرض، يدينون أفعال أحرارٍ أبطالٍ شهداء، إرتكبوا ويرتكبون عن سابقِ تصوّرٍ وتصميمٍ وإصرارٍ جميعَ أفعال الحريَّةِ والكرامةِ والسيادة، عابرين الموتَ المؤدّي إلى قيامة شعبهم في اليوم الثالث، أو العام الثالث أو الجيل الثالث!

إسم ورجل وقضية لا تموت

عمليَّةُ إعدامِ فوزي الراسي الجسديةِ كانت مأساةً ثانويَّةً عبرت اللحظة التي أُعدِمَ فيها. أمَّا المأساةُ البالغةُ الدًّلالات العديدةُ الإشارات هيَّ ظنُّ الجلاّدين أنهم أزهقوا روحًا ناريَّةً نورانيَّةً فاز بها القيدومُ الفوزيّ الذي ما فرَّق طوال أعوام قرابينِه اللبنانيةِ بينَ ذبيحةِ قُدّاسٍ وذبيحةِ متراس، وهل تكتملُ وتتكاملُ مراسمُ أوجاعِ البطولاتِ التي لا تُهزَمُ إلاًّ بأبطالٍ تدرَّبوا على خوضِ معركةِ القيامةِ داخلَ حصونِ وتحصينات متاريس جبهة الجلجلة!

يوم 30 نيسان 1991 خاطب قائد» القوات» والمقاومة اللبنانية سمير جعجع رفاقه المقاومين بكلماتٍ توجزُ 1600 عامٍ من مسيرة دروبِ مشقَّاتٍ تاريخيَّةٍ لم ولن تنتهي يومًا طالما الأمناء على وديعةِ الإيمان لم ولن ينتهوا: «أيها المُقاومونَ حَقٌ لكم أن تستريحوا كمُقاتلين، ولكن كمُناضلين مُقاومينَ ملتزمينَ فانَّ دوركُم لم ينتهِ، وأهدافُكُم المُتبقيَّةُ عظيمةٌ جليلة، وطريقها السلام والديمقراطية»…

ألقتِ «القوات اللبنانيةُ» سلاحَها خلالَ حقبةٍ كثيفةِ الضباب والعتمةِ كان تسليمُ السِّلاح فيها يوازي تسليم الأعناق والأرواح.. وحكيمُها يدري أنَّه لأجل أحلام دولة السلام والقانون والمُساواة سيُجازفُ بتحمُّل تَبِعات آية الرب يسوع: «لا تلقوا بذهبِكم أمام الخنازير لئلا تدوسه بأرجُلِها»!

27 شباط 1994 نُسِفَت كنيسة سيدة النجاة الزوق بمن في داخلها… أمّا خارجها فقد وصلَت الشظايا النّاسفة إلى «المُقيمِ في غدراس» الهازئ بنصيحةِ فخامة النَّاصحِ له بالهروب السريع من وجه العاصفة السوداء وجهنم الحمراء… وواصلت شظايا سيدة النجاة إمعاناً جرحيًّا بالتقاط رفاق الحكيم من بين عيالهم واعتقالهم وسوقِهم إلى الولاة لأجل إسم الرب واسم وطن أرز الرب، وكان فوزي الراسي عنوانَهم الجديد المحمول إليهم بنعش!

إقتياد فصلب… فشهادة

العاشرة من صباح الخميس 14 نيسان 1994 تمّت عملية اقتحام منزل فوزي الراسي بنجاحٍ مُنقطِع النَّظير والنذير، تمَّ فيه النَّصرُ المُبين على زوجةٍ لا حولَ لها ولا قوة إلاَّ ما أعطاها الرب المصلوب في تلك الساعة الرهيبة.. وعلى إبنةٍ فتيَّةٍ مرعوبةٍ لم يسمحْ لها قائد الهجوم المُظفَّر بكوب ماءٍ يُعينُها على الإستفاقةِ من رُعبِها. وانتهت الزيارةُ الحضاريَّةُ بتبليغ تهديدٍ شرعيٍّ لرب الدار بتسليم نفسه إلى جناب السيدة «شرعية»…

السادسة من فجر الإثنين 17 نيسان 1994 نُفِذت عمليةُ الإغارة على القلعة الرّاسيّةِ لاستضافة رجُلِها على «فنجان قهوةٍ» مغليَّةٍ على خيطانٍ قُنَّبٍ بمثلِه تُحاكُ حبال المشانق…

قائد عملية الكوموندس وجد إنجيلاً كان رفيقًا دائمًا للمطلوب إلى العدالة، فسخرَ أولاً سخرية الجنود الذين اقتادوا يسوع الناصري، ثمَّ توجَّسَ من شبحِ الإسخريوطيِّ وقيافا وشهود زوره.. ومن شبح يدَي بيلاطس المغسولتينِ المذلولتينِ المهزومتينِ أمام جعير شعب برأبّاس: «أصلبُه أصلبُه»!

من منزلِه إلى مركز الشرطة العسكرية في سن الفيل إلى وزارة الدفاع، مشى فوزُ وعِزُّ وفخرُ رجال المقاومة اللبنانية مشيَّةً ليسَ بمثلِ سراديبِها قبورٌ، ليس بمثلِ لطماتِها كدمات، ليس بمثلِ أوجاعها آخاتٌ، ليس بمثل صبرِها أيوبٌ.. ومشى رجلُ دروب الصَّلبِ «الشَّرعي» مشيةً لا قيراونيَّ فيها ولا منديلٌ لفيرونيكا!

20 نيسان 1994 يا فوزي الفائزين بجائزة فتىً غادر بيتَه الوالديّ لأجل أن تكون بلدته الشيخ طابا على مَدِّ عين الوطن، ولأجل أن يكون شعبُه اللبناني هو رفيقةُ عمره وجهاده «الغُرَّة الدويهيّة الأبيّة» وأميرته مارلين وبِكرُه هاني!

20 نيسان 1994 تمَّت تصفيةُ قَسَمِ أبقراط على يدِ أطبّاءٍ رهن الإشارة أفادوا بأن سبب «الإعدام» المريع هو إصابة الضحيّة بأنفلونزا الملائكة…

20 نيسان 1994 حكاية رجل شجاع حلّ محلَّ شرعية 13 نيسان 1975 سُحِبت من ساحات المواجهات إلى داخل ثكناتها تحت شعار «الخرطوشة الأخيرة»… ثمّ حاكمته حتى الموت شرعية 1994!

20 نيسان 1994 وسط الطريق بين غدراس ووزارة الدفاع، تلاقى رفيقا السلاح وبذلِ الذات رفيقٌ شهيدٌ عائدٌ بنعش ورفيقٌ شاهدٌ طيلة ١١ سنة على زنزانة تقوم مقام مئة قبر!

أبو هاني، على وقع صرخة: «قد تمّ» التي أطلقها مثالُك يسوع من فوق قمة الجمعة العظيمة، قد أطلقت أنتَ من فوق صليب البلانكو صرختك الأخيرة :»يا عضرا»!!

أبو هاني، شهادتُكَ دَينٌ علينا حتى يوم الدين والقيامة!!!

Exit mobile version