
إن ننس فلن ننسى – إميل فريجي: من أجلك يا زحلة
من عايش سبعينات مدينة زحلة لا يحتاج الى ان تكرر على مسمعه اسم شهيد آل فريجي حتى يقول لك “الله يرحم الأبطال، لولا إميل لما صمدنا ولا كنّا هنا..”
اسم لا يفارق قلب والدته إفلين فريجي التي أخذنا حديثنا معها بطريقة غير مباشرة، فهي لا تزال تعيش لحظة استشهاد إميل حتى اليوم بكل قسوتها وحزنها. فالسيدة الثمانينية قد توقف الزمن عندها في السادس من نيسان 1976… “قبل إستشهاده بساعة طلبت منه أن يبقى في المنزل لتهدئة أخوته الصغار من الخوف ورائحة البارود والقصف المتواصل على البلدة فرد عليّ: مكاني هناك فليبكوا إخوتي، أنا ذاهب لأمنع من يريد قتلهم وقتل أبناء مدينتي”. وما زالت إفلين منذ جنازته حتى اليوم تردد بحرقة: “يا إميل سمعت نداء لبنان وما سمعت ندائي”.
يخبرنا شقيقه عن تلك المرحلة: “6 نيسان لم يكن يوماً كباقي أيام السنة، فقد كان الهجوم على المدينة من جميع المحاور، لكن التركيز من قِبل الفلسطينيين والمرتزقة وأعوانهم اللبنانيين بقيادة الضابط الفار أحمد الخطيب، كان هدفه إسقاط خط الدفاع الأول لمدينة زحلة أي مدخل المعلقة الذي بسقوطه تسقط مدينة زحلة، وبعد معارك شرسة دامت حوالى العشرين يوما استشهد إميل، وأتى الخبر كالصاعقة على الجميع وبخاصةً عائلتي ووالدّي. فأمّي لا تزال حتى اليوم تعاني من الآلام النفسية والجسدية جراء إصابتها بالمرض بعد تلقيها خبر موته. فعائلتي هي نموذج العائلة الزحلية واللبنانية التي قدمت عددًا من أبنائها من أجل الوطن. والجدير ذكره ان اثنين من أشقائي كانا يشاركان في الحرب الى جانب إميل بتشجيع من والدي الذي آمن بضرورة الصمود المسيحي في المنطقة. أحدهم كان معه في المتراس نفسه في مبنى الإنكليز وقد تابع القتال بشكل طبيعي بعد مقتل شقيقي الأكبر، وقد أصيب بعدها في حمّار المعلقة ليتنحى لاحقاً بإصرار من القيادة بسبب حالته الصحية، مع استمرار شقيقي الآخر حتى العام 1990 وقد حمل بارودة إميل التي كان قد اشتراها من مصروفه الخاص، وشارك بدوره في عدد من الجبهات في المناطق اللبنانية. وبالنسبة إلي فحمل البارودة كان واجباً ايضاً خلال حرب زحلة في ال 1981، فمشهد الجثث المتفحمة التي كانت تنقل الى مستشفى المعلقة طبع في ذاكرتي منذ طفولتي وما زلت أحمل حتى اليوم النَفَس المقاتل والمتمرّد بسبب تلك المشاهد”.
ويتابع: “إميل هو رمز عائلتنا وصورتاه الوحيدتان تملآن المنزل، أفتخر جداً بشقيقي الأكبر المثقف والملتزم بالقضية اللبنانية الذي كان يُحضر للإمتحانات الرسمية وكان متفوّقا في مدرسته بشهادة أساتذته وعلاماته إذ كان قد أعفي من الإمتحانات سنة استشهاده. وفي محاولة منه على حفظ التاريخ بأمانة كلف أحد أشقائي بكتابة يوميات الحرب، يوماً بيوم ودقيقة بدقيقة، من قذيفة سقطت هنا الى بناء تدمَّر هناك، الى إستشهاد أحدهم.. وكان يقول: “ليس لدي وقت للكتابة فالجبهة منزلي الذي سأحيا فيه”.. وإميل كان نجم المعارك في المقاومة المسيحية منذ العام ١٩٧٥ لم يترك جبهة في زحلة إلا وحارب فيها وكانت بطولاته حافزاً لكثير من الشباب على حمل البندقية للدفاع عن الهوية والكيان اللبناني، فهو قد تأثّر بمجزرة الدامور التي نشرت صورها على شاشة “تلفزيون لبنان” وفي الجرائد اللبنانية.
فالغضب الذي اعتراه والخوف على أخوته وأبناء مدينته شكل دافعاً كبيراً له للإنخراط أكثر وأكثر في المقاومة المسيحية وحزب الكتائب اللبنانية. وقد كتب جملةعلى لوحة وضعت خلف أكياس الرمل وظلّت معلّقة حتى العام ١٩٧٨ جاء فيها: “يا جماعة أنظروا ماذا فعلوا ببلدة الدامور، لا نريدهم أن يكرروا فعلتهم في زحلة!” شارك في القتال على الكثير من الجبهات: قاع الريم، حرقات، وادي العرائش، حوش الأمراء والمدينة الصناعية وغيرها.. لكن قدره كان أن يستشهد في بلدته، على رغم قساوة المعارك التي خاضها في باقي المناطق، في متراس بناه بنفسه وبمساعدة أبناء الحي وبفضله صمد هذا الموقع لأكثر من سنة ونصف من دون خرقه، على رغم ضحالة الإمكانيات والفارق الكبير في ميزان القوى. وفي ذلك الوقت كانت التدريبات العسكرية محدودة جداً حتى الأسلحة والأعتدة كانت شبه بدائية”.
لقد إستشهد إميل سمعان فريجي “شهيد الحياة ” كما قال عنه في حينه الشيخ بيار الجميل، وهو في عمر 18 سنة في حيّ المعلقة في زحلة قرب كنيسة الإنكليز. وقد جاء حرفياً في جريدة “العمل” في حينه: “لقد سقط ضوء من الثريّا خربط مفاهيم الضوء. وباستشهادك صنعت مجداً لوطن أراد أبناؤه أن يعيشوا فيه إلا أحرارًا كبارًا…”.
تقول والدته: “زحلة التي بكت إميل وما زالت حتى اليوم تضع صوره في المنازل، كأنها البارحة كان إميل نموذجاً في التضحية وكان يُحارب بأخلاق ..”. وتتابع: “لدي ستة رجال وإستشهاد إميل جعلني أقول صعب أن يندمل جرح حجمه أكبر من الجريح.. لقد جف الدمع، وبأستشهاده أعطانا إميل حياة مليئة بالفخر، وكما كان يردد قول المعلم يسوع “ما أجمل أن يفدي الأنسان نفسه من أجل أحبائه”…
أربعون عاماً والفخر يزداد وعائلة إميل ترفع رأسها وتقول لولا شهدائنا لما كنا على قيد الحياة… لقد أنجز مهمّته ورحل، لكن هناك قلوب كثيرة تصلي من أجله وعيون أرهقها الشوق لبطل تتساءل عن ماهية إنجازاته لو بقى حيّاً. لكن الإيمان بحكمة الخالق ونعمة الصبر هما العلاج اليومي لمن فقد جزءًا من نفسه خلال الحرب اللبنانية…
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.





